الحكيم الترمذي
475
ختم الأولياء
« وإذا انتهى السيّار إلى التحيّر ، بعد قضاء وطره من الآيات الظاهرة والباطنة وتجلي الصفات والذات ، واشتد شوقه اليه - صارت السماء والأرض حبسا وسجنا وبئرا وصرحا وقلعة ، وهو محبوس فيها . كلّما قصد ، هل يجد مفرا ومخلصا ومخرجا ؟ فتستقبله حجب الآيات والعلامات من السماء والأرض وما فيهما من كل شيء : نار ونور ، وحيوان ونبات ، وحجر ومدر ، وما يخرج منها . فتارة توافقه الآيات في التحير ؛ وتارة توافقه في الحزن حتى يحسّ منهن البكاء ؛ وتارة تقول : هلمّ إليه ! وتارة يسمع من كل واحدة : تعالى اليّ ، فانظر وعدّ ما فيّ من العجائب ! - وكلها عجائب ، ولو حشيشة على الأرض أو ذرة في الهواء - . وتارة تزداد غيرة السيّار وهمته ، فتدخل الآيات فيه أو يدخل فيهن ، أو تنتثر عليه كواكب السماء ، أو السماء تنزل عليه ، أو يذوق ان السماء في صدره ، أو يرى أنه فوق السماء ، ومع ذلك ينظر إلى الأرض . فربما تصير الأرض منادمة له ، فتقول : انظر اليّ وما فيّ من العجائب ، وكيف أكرمك اللّه ان تمشي من فوقي ، وانا امّك وانا أكبر منك وعلى ماذا انا قائمة ؟ وتارة تصير مثل البحر ، تموج بين يديه وكأنه على وجه الماء لم يغرق . انما تتمثل بحرا إذا لم يسمع إلى كلامها ، أو سمع إلى حدّ يتحير . ولا يزال ينظر إليها إلى أن يخرج عليه سكان الأرض من الروحانيين فيحملون عليه . ولكنه يتحصّن بحصن الصدق والاخلاص فلا يظفرون عليه . وفي العاقبة تفنى الأرض في دائرة القدرة . - فالمقصود انه إذا اشتدت غيرة السيار ، وعلت همته حلّ له الضرب في وجوه الآيات والعلامات من طريق الحالة لا من طريق العلم والاختبار . وذلك الضرب بيد الهمة لا بيد الجثة . « ثم لهذه الحالة بدايات ونهايات . فالبداية المنام ، ثم الواقعة - وهي بين اليقظة والمنام - ثم الحالة ، ثم غلبات الوجد والوجدان ، ثم مشاهدة القدرة ، ثم الاتصاف بها ، ثم التكوين بعدها كلها . ولو أخذنا في تفصيل ما وجده السيار في سيره لضاق البياض عن تحريرها . لان كشف الآيات نعم الحق ، سبحانه ، ظاهرا وباطنا ، وهو مما لا يعد ولا يحصى : « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » . « وان كان السيار يصل إلى مقام يقال له : قف ! لا من طريق الحرف والصوت ، بل من طريق الوصل والفصل . ومعنى قولنا : من طريق الوصل والفصل ، وصول السيار إلى جناب عزة الوحدانية وانفصاله عن احكام البشرية . وذلك امر لا يطيقه البشر ، بل لا تطيق الألسن وصفه ( الأصل : وصفها ) . ففيها ( - جناب عزة الوحدانية ) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ! » ( نفس المصدر ص 89 - 93 ) . 29 ب ) نجم الدين كبرى : ( الشريعة والطريقة والحقيقة ) « . . . الشريعة كالسفينة ، والطريقة كالبحر ، والحقيقة كالدر . ومن أراد الدر ركب في السفينة ثم شرع في البحر ثم وصل إلى الدر . فمن ترك هذا الترتيب لم يصل إلى الدر . « فأول شيء وجب على الطالب هو الشريعة . والمراد بالشريعة ما امر اللّه تعالى ورسوله : من الوضوء والصلاة والصوم وأداء الزكاة والحج وترك الحرام ، وغير ذلك من الأوامر والنواهي . والطريقة الاخذ بالتقوى وما يقرّبك إلى المولى : من قطع المنازل والمقامات . واما الحقيقة فهو